الفصل 1

كيف يُكتب التاريخ السعودي

قبل أن نروي سيرة الملك عبدالعزيز، يحسن أن نسأل كيف كُتبت هذه السيرة. يرى أحد المؤرخين المتخصصين في هذه المرحلة أن مهمة المؤرخ ليست حفظ الأسماء والتواريخ، بل التعامل مع التاريخ بمنهج: أن يميّز المعلومة الموثوقة، وأن يتعامل مع المصادر المتعارضة، وأن يلتزم الموضوعية، وهي في رأيه أصعب ما في الأمر. فالوثائق والمصادر لا تعطي الصورة الكاملة للماضي أبدًا، وإنما تقدّم إشارات يستنبط منها المؤرخ.

ويشبّه المؤرخ برجل يقف على تلّ ويصف لمن حوله مشهدًا خلفه لا يرونه، وهي صورة مأخوذة من كتاب جون لويس غاديس «مشهد التاريخ». وفي كتابه «أساور من وهم التاريخ» يطبّق فكرة النسبية على التاريخ، ويرى أن أعلى درجات اليقين في معرفتنا بالماضي لا تتجاوز نحو سبعين في المئة.

تاريخ وطني أطول

بحسب هذه الرؤية، التاريخ الوطني السعودي هو تاريخ الإنسان والمكان السعودي داخل الجغرافيا السعودية. ويمتد إلى الحضارات القديمة التي عاشت على هذه الأرض، مثل الأنباط والمعينيين ومدين وكندة.

ويرفض القول بأن عمر التاريخ السعودي مئة عام فقط، ويعود به نحو ألف وستمئة عام، إلى القرن الخامس الميلادي، حين هاجر عبيد بن ثعلبة من غرب الجزيرة العربية واستقر في حجر اليمامة. ويرى خطًّا واحدًا من مشاريع متشابهة، يجمع كلٌّ منها بني حنيفة في مجتمع واحد في هذه المنطقة، من عبيد بن ثعلبة إلى مانع المريدي، فالإمام محمد بن سعود، فالإمام تركي بن عبدالله، فالملك عبدالعزيز.

وإذا حُسب التاريخ من قدوم مانع المريدي إلى المنطقة سنة 850هـ (1446م) وتأسيس الدرعية، فعمره نحو ستمئة عام. أما قيام الدولة السعودية الأولى نفسها فكان قبل نحو ثلاثمئة عام.

انقطاع لا سقوط

تقول الرواية المعتادة إن الدولة السعودية الأولى سقطت سنة 1233هـ وقامت الثانية سنة 1240هـ، ثم سقطت الثانية سنة 1309هـ وقامت الثالثة سنة 1319هـ. ويرى هذا المؤرخ أن أيًّا من الدولتين لم تسقط فعلًا، وأن ما حدث كان مراحل انقطاع. بل اختلف المؤرخون في تاريخ قيام الدولة الثانية نفسه: فقد أرّخه الدكتور عبدالفتاح أبو علية بفترة حكم الإمام فيصل الثانية سنة 1259هـ، وخطّأه منير العجلاني. ويعدّ ذلك جدلًا حول مسألة لا وجود لها.

ويضرب مثالًا: بعد أن هزم تيمورلنك العثمانيين في أنقرة وأسر السلطان بايزيد الأول، انقطع الحكم العثماني من سنة 1402م إلى سنة 1413م حتى تولّى محمد الأول، ومع ذلك لا يتحدث أحد عن «دولة عثمانية ثانية».

وحين سقطت الدرعية انسحب الإمام تركي انسحابًا تكتيكيًّا وبدأ المقاومة. ولم يمكث إبراهيم باشا في الدرعية سنة كاملة، ولم يستطع الجيش العثماني الاستقرار لأن الناس لم يرحّبوا به. وتشهد على ذلك قصة: ذهب الإمام تركي يشتري تمرًا من امرأة في بلدة الحلوة، فلما أراد أن يدفع لها قالت له إن ثمنه أن يستردّ الرياض.

وكذلك أُسقطت الدولة الثانية وإمامها عبدالرحمن ما زال حيًّا، ثم عاد بعد عشر سنوات.

ويردّ صيغة «السقوط والقيام» إلى أسلوب الحوليات في المصادر السعودية، مثل ابن بشر ومقبل الذكير، التي تسجّل الأحداث سنة بسنة، ويؤكد أن ذلك لم يكن مقصودًا. ويقدّم رأيه على أنه وجهة نظر لها مسوّغاتها، وقد يخالفه فيها مؤرخون آخرون. ومع ذلك يستعمل المصطلحات المعروفة، الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة، ليفهمه الناس، وهكذا يفعل هذا الموقع.

المصادر

مصادر الدولة السعودية الأولى قليلة. وأهم مصادرها الرسمية ابن غنام، وكان معاصرًا لها، واعتمد عليه أغلب من جاء بعده، فإذا أخطأ تكرّر خطؤه. ومن مصادرها الأخرى فتح الله الصايغ، الذي جاء مع الحملة الفرنسية (وزيارته للدرعية محل خلاف)، والشيخ منصور العُماني الذي كتب عنها مما سمعه من التجار وأهل الغوص واللؤلؤ، والرحالة بوركهارت. وهناك تقرير في متحف الجيش في باريس، وثلاثة أو أربعة تقارير في الأرشيف البريطاني.

أما مصادر الدولة السعودية الثانية فأكثر تفصيلًا ومدوّنة محليًّا. ومصادر المملكة كثيرة: مصادر محلية، وكتابات المستشارين، ووثائق. وفي أرشيفات العالم وثائق كثيرة عن الملك عبدالعزيز، بعضها لم يُدرس حتى اليوم.