الفصل 6

القصيم

1320–1326هـ

بعد انسحاب ابن رشيد من الرياض لم يبق في يده إلا ورقة استراتيجية واحدة: القصيم. فالمناطق الواقعة شمال الرياض، الوشم وسدير، مالت إلى عبدالعزيز بعد استرداده الرياض وانتصاره في الدلم والسلمية. وكانت الأسرتان الحاكمتان في أكبر بلدتين في القصيم، آل مهنا في بريدة وآل سليم في عنيزة، تعيشان في الكويت.

قاومت حاميات ابن رشيد في شقراء وثرمداء. لكن حكم آل رشيد للمنطقة، من سنة 1309هـ إلى سنة 1320هـ، لم يكن مقبولًا في النفوس، فقد عاش أهلها تحت حكم آل سعود قرابة قرنين.

الطوابير العثمانية

ذهب ابن رشيد إلى جنوب العراق وضغط على والي البصرة العثماني ليمدّه بالجنود والمؤن، حتى أعطاه العثمانيون أحد عشر طابورًا، في كل طابور ما بين ثمانمئة وألف جندي، مسلّحين ببندقية الماوزر الألمانية المعروفة محليًّا بـ«أم خمس».

عنيزة وبريدة

في سنة 1321هـ خرج عبدالعزيز كأنه متجه إلى الكويت، ثم انعطف نحو القصيم ومعه آل سليم وآل مهنا. وفي تلك السنة هاجم حامية ابن رشيد في فيضة السر.

ثم ظهر عند أسوار عنيزة الجنوبية، ففتح أهلها، وولاؤهم للدولة السعودية، الأبواب وشاركوه في حصار القصر الذي كان فيه نائب ابن رشيد فهيد بن سبهان. فأعطى عبدالعزيز الحامية الأمان على أرواحهم وسلاحهم، فخرجوا إلى حائل. لم يكن عبدالعزيز صاحب ثأر: كانت القوة آخر ما يلجأ إليه ما دام للإصلاح مجال، وكان يسعى إلى كسب خصومه.

وكان ماجد بن حمود العبيد الرشيد مخيّمًا قرب بريدة، فلما سمع بسقوط عنيزة حاول الفرار إلى حائل، فهاجمه عبدالعزيز فانسحب متجنّبًا المواجهة، وابن رشيد ما زال في العراق. وأرسل آل مهنا وفدًا يدعو عبدالعزيز إلى بريدة، فحاصر حامية ابن رشيد فيها بقيادة عبدالرحمن بن ضبعان حتى استسلمت. وبحلول سنة 1322هـ صارت بريدة وعنيزة له، وإن بقيت القصيم كلها مقسّمة بين القوتين.

البكيرية

عاد ابن رشيد بطوابيره العثمانية وخيّم في الشيحية، شمال البكيرية، حيث كان عبدالعزيز. (ويفضّل بعض مؤرخي هذه المرحلة كلمة «وقعة» على «معركة» في القتال بين المسلمين.)

كانت القوة العثمانية وحدها بين ثمانية آلاف وثمانمئة وأحد عشر ألف رجل تقريبًا، ببنادق أفضل ومدفع. وربما كان مع عبدالعزيز نحو أربعة آلاف، وإن كانت المصادر تذكر أربعة آلاف أو خمسة أو عشرة، وهذه الأرقام لا يُعتمد عليها. والثابت أن جيش ابن رشيد كان الأكبر.

قسّم عبدالعزيز جيشه قسمين: قاد هو قسمًا في مواجهة الطوابير العثمانية، وقاد أهل عنيزة وبريدة القسم الآخر في مواجهة ابن رشيد وأهل حائل والقبائل المتحالفة معهم، وبينهما تلال البكيرية. فهزم أهل القصيم رجال ابن رشيد، بينما انكسر قسم عبدالعزيز أمام العثمانيين وأصيب هو بطلقة في ذراعه اليسرى.

ثم عبر أهل القصيم التل خلف العثمانيين الذين كانوا يطاردون رجال عبدالعزيز، فظنّها العثمانيون كمينًا. فوقعوا بين جبهتين، حتى صار بعضهم يطلق النار على بعض، فقُتل منهم كثيرون وأُسر كثيرون. وتحوّلت هزيمة وشيكة إلى نصر كاسح أصاب نحو نصف قوات ابن رشيد.

وكان من المعتاد في معارك ذلك الزمن أن تبدأ القبائل في صفّ ثم تنتقل إلى الصف الآخر في أثناء المعركة، وهذا ما قاد عبدالعزيز لاحقًا إلى مشروعه الاجتماعي الكبير، الهجر، سنة 1330هـ.

الشنانة

لم يعد ابن رشيد إلى حائل، بل تراجع إلى الشنانة قرب الرس، وخيّم الطرفان هناك شهرين تخللتهما مناوشات. وأرسل عبدالعزيز فهد الرشودي من أهل القصيم يعرض هدنة، فاستخفّ بها ابن رشيد. وكان جنوده يتضورون جوعًا وقبائله قد ملّت، فلما بدأ يرحل هاجمه عبدالعزيز وانتصر في معركة الشنانة، وتراجع جيش ابن رشيد إلى قصر ابن عقيل القريب.

وكانت سنة 1323هـ سنة استعادة للقوى عند الطرفين. ورأى العثمانيون أن ابن رشيد لم يحقق لهم النصر فسحبوا جزءًا من دعمهم، وفتح عبدالعزيز قناة اتصال مع الدولة العثمانية.

روضة مهنا

في سنة 1324هـ التقى الطرفان مرة أخرى في روضة مهنا في أثناء عاصفة غبار. وفي القتال قُتل عبدالعزيز بن متعب بن رشيد، وانتهت بمقتله أي مقاومة جدية لعبدالعزيز. وبعد روضة مهنا صارت القصيم لعبدالعزيز، وبقي العثمانيون في الأحساء ولا سلطة لهم في القصيم. وبحلول سنة 1324هـ كانت الرياض وما شمالها وما جنوبها والقصيم كلها له.

وفي حائل خلف ابنَ رشيد ابنُه متعب، فقُتل في صراع على الحكم داخل الأسرة، وتولّى سلطان الحمود العبيد الرشيد. وهزم عبدالعزيز حائل مرة أخرى في معركة الطرفية سنة 1325هـ. ثم قُتل سلطان أيضًا، وتولّى الحكم الصغير سعود بن عبدالعزيز بن رشيد، وخاله زامل بن سبهان وصيّ عليه. وتلت ذلك هدنة قلّت فيها الاشتباكات من سنة 1326هـ إلى سنة 1332هـ.